الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

254

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والقول في افتتاحها كالقول في افتتاح نظائرها السابقة باسم الجلالة أو بضميره . والأنعام : الإبل والغنم والمعز والبقر . والمراد هنا : الإبل خاصة لقوله : وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً وقوله : وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ وكانت الإبل غالب مكاسبهم . والجعل : الوضع والتمكين والتهيئة ، فيحمل في كل مقام على ما يناسبه وفائدة الامتنان تقريب نفوسهم من التوحيد لأن شأن أهل المروءة الاستحياء من المنعم . وأدمج في الامتنان استدلال على دقيق الصنع وبليغ الحكمة كما دل عليه قوله : وَيُرِيكُمْ آياتِهِ [ غافر : 81 ] أي في ذلك كله . واللام في لَكُمْ لام التعليل ، أي لأجلكم وهو امتنان مجمل يشمل بالتأمل كل ما في الإبل لهم من منافع وهم يعلمونها إذا تذكّروها وعدّوها . ثم فصّل ذلك الإجمال بعض التفصيل بذكر المهمّ من النعم التي في الإبل بقوله : لِتَرْكَبُوا مِنْها إلى تُحْمَلُونَ . فاللام في لِتَرْكَبُوا مِنْها لام كي وهي متعلقة ب جَعَلَ أي لركوبكم . و ( من ) في الموضعين هنا للتبعيض وهي صفة لمحذوف يدل عليه ( من ) أي بعضا منها ، وهو ما أعد للأسفار من الرواحل . ويتعلق حرف ( من ) بتركبوا ، وتعلّق ( من ) التبعيضية بالفعل تعلق ضعيف وهو الذي دعا التفتازانيّ إلى القول بأن ( من ) في مثله اسم بمعنى بعض ، وتقدم ذلك عند قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ في سورة البقرة [ 8 ] . وأريد بالركوب هنا الركوب للراحة من تعب الرّجلين في الحاجة القريبة بقرينة مقابلته بقوله : وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ . وجملة وَمِنْها تَأْكُلُونَ في موضع الحال من الْأَنْعامَ ، أو عطف على المعنى من جملة لِتَرْكَبُوا مِنْها لأنها في قوة أن يقال : تركبون منها ، على وجه الاستئناف لبيان الإجمال الذي في جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ ، وعلى الاعتبارين فهي في حيّز ما دخلت عليه لام كي فمعناها : ولتأكلوا منها . وجملة وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ عطف على جملة وَمِنْها تَأْكُلُونَ ، والمعنى أيضا على اعتبار التعليل كأنه قيل : ولتجتنوا منافعها المجعولة لكم وإنما غيّر أسلوب التعليل تفننا في الكلام وتنشيطا للسامع لئلا يتكرر حرف التعليل تكرارات كثيرة .